نذير حمدان

190

حكمة القرآن والحضارة

في التجربة والنبوة : وكذلك كان الأنبياء على غنى كبير في نفوسهم ومواهبهم وقدراتهم باعتبارهم ممن اصطفاهم اللّه من سائر الخلق وعلى غنى كبير في حياتهم وعلاقاتهم واتصالاتهم بأقوامهم باعتبار أن شمول الإصلاح الديني والاجتماعي الذي يحملونه يتطلب منهم عمق المعرفة بالأشخاص وقوة الصلة بهم ، ومباشرة حياتهم لحل مشكلاتهم الحياتية والدينية والاجتماعية . فلكل فرد من الأشخاص تجربة دعوية في الهداية والضّلال والاستجابة والإعراض ، ومدى الهداية والضّلال وقوة الاستجابة والإعراض ، وتجربة معاشة تظهر في الغنى والفقر والراحة والتعب ، وتجربة اجتماعية تظهر في الاعتبارات الاجتماعية المختلفة . إن كل فرد هو تجربة واقعية قد تتشابه في بعض النواحي مع فرد آخر ، ولكنها تتميز أبدا بخصوصيات أو فرديات من حيث أنه قد يكون عقلانيا أو عاطفيا أو اجتماعيا ، ومن حيث أنه قد يكون في أزمات معاشية أو معاناة أسرية واجتماعية . ولذلك فلا بدّ من أن يقدم الأنبياء ثوابت في العقيدة والشريعة والخلق لتتسق العلاقة بينهم وبين أقوامهم مع مرونة في الأسلوب وطواعية في العرض . إن كل قصة أو جزء منها من قصص الأنبياء التي أخذت أكبر الحجوم في القرآن مجموعة حافلة من التجارب المختلفة التي كانوا يعانونها من أقوامهم ويقابلونها بحكمة كتبهم وحكمة مواهبهم وأحاديثهم ، ولا غرابة في ذلك فإن سورا كاملة سميت بأسمائهم تبين رسوخ التجارب وأثرها في مسار الدعوات الصالحة . ومن المشهور ما كان يخص الرسول صلى اللّه عليه وسلم في معاملته كل فرد حسب مشكلته ومزيته ، فيعالجها بحكمة النبوة ، وحنكة الفراسة ، وبعد النظر والإحاطة بأسرار النفس ، وتقديم العلاج الشافي والمقنع المرضي . والأنبياء مجربون وإن كانت تجربتهم تختلف عن تجارب الأطباء والفلكيين والطبيعيين والحكماء العقليين ، فإن تجربة هؤلاء مادية وعقلية حتى وإن كانت في أصغر الأشياء وأبسطها فإن لها خواصها التي كشفوها واستعملوها ، وإن لم تحط بها العقول أحيانا ( بل